مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

معًا للمستقبل

نصف قرن فى بلاط صاحبة الجلالة (٣-٣)

 

بعد نحو نصف قرن فى بلاط صاحبة الجلالة، أجد نفسى اليوم أمام سؤال لم يكن يخطر لى وأنا المحرر الشاب الذى كان يستقل الأتوبيس كل صباح إلى إحدى الوزارات بحثًا عن خبر أو إجراء تحقيق أو عمل متابعة.
ماذا بقى من الصحافة التى عرفناها؟
لا أسأل السؤال من موقع المتفرج، وإنما من داخل المهنة التى عشت فيها معظم عمري، وعرفت فيها فرحة السبق، وقلق النشر، ومتعة التحقيق، وثقل المسئولية، ولذة أن يعرف الناس خبرًا لأنك وصلت إليه قبل غيرك.
لقد تغير كل شيء تقريبًا.
جاء الإنترنت، ثم جاءت مواقع التواصل، ثم أصبح الهاتف الصغير الذى يحمله الإنسان فى يده غرفة أخبار كاملة. لم يعد القارئ ينتظر صباح اليوم التالى ليعرف ما حدث بالأمس. الخبر يصله فى اللحظة نفسها، وربما قبل أن تصل إليه الصحيفة.
لكننى لا أعتقد أن التكنولوجيا قتلت الصحافة.
التكنولوجيا قتلت احتكار الصحيفة للخبر، لكنها لم تقتل حاجة الناس إلى الحقيقة.
وهنا الفارق.
فالصحيفة التى تنافس مواقع التواصل فى سرعة نشر الخبر تخوض معركة خاسرة سلفًا. أما الصحيفة التى تقدم ما لا تستطيع مواقع التواصل تقديمه، فمازالت تملك أسباب الحياة: تحقيق عميق، ومعلومة موثقة، وتحليل مسئول، ووثيقة، وانفراد حقيقي، وصحفى يعرف كيف يسأل وكيف يتحقق وكيف يربط التفاصيل الصغيرة بالصورة الكبيرة.
هذه هى الصحافة التى لا تموت.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل يموت الورق؟ وإنما: هل تموت الصحيفة عندما تفقد قدرتها على صناعة الخبر وجذب القارئ؟
أعتقد أن الورق يمكن أن يتراجع، وقد يتغير شكله، وقد يصبح أكثر تخصصًا، لكن الصحافة ستظل حاضرة ما دام هناك إنسان يريد أن يعرف، وما دام هناك صحفى يملك الشجاعة ليبحث عن الحقيقة ويقولها.
غير أن إنقاذ الصحافة لا يتوقف على التكنولوجيا وحدها. المؤسسة نفسها تحتاج إلى أن تعيد اكتشاف مواهبها.
هل تستطيع المؤسسات الصحفية أن تبحث عن الموهبة بدل انتظار الأقدمية؟ وهل يمكن أن تصبح الترقية مكافأة على الإنجاز، لا مجرد محطة فى سلم السنوات؟ وهل نملك شجاعة إعادة النظر فى هياكل تضخمت فيها المسميات حتى أصبح عدد المناصب أحيانًا أكبر من حجم الأدوار الحقيقية؟
هذه ليست أسئلة إدارية عابرة. إنها أسئلة تتعلق بمستقبل المهنة.
وأنا أعرف من تجربتى أن الإنسان يحتاج إلى أكثر من راتب. يحتاج إلى أن يشعر بأن مؤسسته تراه، وأن جهده محسوب، وأن الموهبة لها مكان، وأن النجاح يمكن أن يفتح بابًا.
وهذا يقودنى إلى نقابة الصحفيين.
لقد تغيرت الصحافة أكثر مما تغير قانونها. ظهرت المنصات الرقمية، واختلطت أحيانًا الحدود بين الصحفى والإعلامى وصانع المحتوى والمدون. ومن ثم لم يعد تحديث قانون النقابة ترفًا، وإنما ضرورة.
ولعل ما أثير أخيرًا حول قضية الإعلامى شريف عامر يفتح الباب أمام نقاش أوسع من الشخص نفسه؛ لأن القضية الحقيقية ليست شريف عامر، وإنما القواعد التى تحكم القيد فى النقابة.
من يحق له القيد؟ ما الشروط؟ من يقرر؟ وكيف نضمن أن تكون المعايير واضحة ومعلنة للجميع؟
نحتاج إلى قواعد قيد واضحة وصارمة، وإجراءات شفافة، ومعايير مهنية محددة، وحق واضح فى التظلم، والأهم أن تطبق القواعد على الجميع دون استثناء.
النقابة لا تقوى بكثرة أعضائها، وإنما بقوة معاييرها. ولا تحمى المهنة بالمجاملة، وإنما بالقانون. والنقابة ملك للجماعة الصحفية كلها، وليست ملكًا لنقيب أو مجلس أو تيار انتخابي.
لقد تعلمت من نصف قرن فى المهنة أن الصحافة لا تحتاج إلى شعارات كثيرة. تحتاج إلى صحفى يعرف قيمة الخبر، ورئيس تحرير يعرف قيمة الصحفي، ومؤسسة تعرف قيمة الموهبة، ونقابة تعرف قيمة القانون، وقارئ يجد فى الصحيفة شيئًا يستحق أن يدفع ثمنه ويخصص له من وقته.
لقد تغيرت أدوات الصحافة، لكن جوهرها لم يتغير.
كان الصحفى القديم يحمل دفترًا وقلمًا. أما الصحفى الجديد فيحمل هاتفًا وحاسوبًا. لكن كليهما يحتاج إلى الشيء نفسه: عقل يسأل، وضمير يتحقق، وشجاعة تكتب.
ولهذا، كلما سمعت من يقول إن الصحافة انتهت، أختلف معه.
الذى انتهى هو نموذج قديم للصحافة. أما الصحافة نفسها فلن تنتهي.
فالإنسان سيظل يريد أن يعرف، وسيظل يبحث عن شخص يثق به، وسيظل هناك فرق هائل بين معلومة مجهولة المصدر تنتشر فى لحظة، وحقيقة يتحمل صحفى مسئولية نشرها.
هذه هى المساحة التى يجب أن تستعيدها الصحافة. ليس بالحنين إلى الماضي، ولا بالبكاء على زمن مضي، وإنما بالعودة إلى الميدان، وإعادة الاعتبار للمهنة، ومنح الموهبة فرصة، ومكافأة المجتهد، وتطوير المؤسسات، وتحديث القانون، وبناء نقابة تحمى المهنة قبل أن تحمى المقاعد.
وتبقى الحقيقة الغائبة.. أن الصحفى كان فى الزمن الجميل متفرغاً تماماً لعمله. أما الآن فهو مشغول فى أعمال أخرى بعيدًا عن الجريدة أو الموقع الذى يتقاضى منه راتبه.. وهذا فى حد ذاته كارثة.